القاضي النعمان المغربي

211

تأويل الدعائم

عليه الصلاة والسلام فيما يفاتحون به اختبار لهم فيما أدوه عنه من ذلك في دعوته المستورة فعرضوا ذلك عليه فاستحسنه وأعجبه ما سمع منهم وصرفهم ثم تعقب ذلك بعد أن تواروا عن حجابه فقال إني أحببت حب الخير يعنى أولئك الحجج الذين أمثالهم أمثال الخيل فوصفهم بالخير لقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة » فوصف أنه اشتغل بما أحبه منهم مما سمعه مما أدوه عنه من التأويل عن أن يثيبهم على ذلك حتى تواروا عنه بالحجاب ، وقوله عن ذكر ربى يعنى مربيه بالحكمة وقد ذكرنا بيان المعنى في الرب قبل هذا وذكره يعنى الّذي ذكره به فعرف ذلك من أجله ثم قال ردوها على يعنى جماعة الحجج يثيبهم على ذلك فردوا فطفق مسحا بالسوق والأعناق . وقوله فطفق هو في اللغة عند العرب بمعنى جعل يفعل والمسح عندهم إزالة الضر والمكروه عمن هو به يقولون في الدعاء عند العليل « 1 » مسح اللّه ضرك وذلك يجمع كل ضر من ضرر الدين والدنيا ومن ذلك قيل سمى المسيح لأنه مسح أي طهر من كل خطيئة والأمسح من المفاوز الأملس الّذي لا شيء عليه شبه بذلك الّذي لا ذنب عليه ولا خطيئة ويسمون الماشطة التي تمشط المرأة وتزينها ماسحة تشبها بمن بمسح الناس أي يطهرهم بالعلم والحكمة ويزينهم بذلك في أمر دينهم ويقولون فلان يتمسح به إذا كان فاضلا في دينه يهدى بعلمه وحكمته ويمسح الناس ، ومن ذلك أيضا مسح الرأس ومسح الجسد وغير ذلك مما يراد به إزالة الوسخ والأذى عنه ، فقوله فطفق مسحا أي جعل يمسحهم بالعلم والحكمة ويزيدهم من المعرفة إذ قد رضى أحوالهم كما يجب ذلك وينبغي لمثلهم ، وقوله بالسوق فالسوق جمع ساق ومثل الساق في التأويل مثل الباطن لأنها مستورة ومنه قوله تعالى : « يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ » « 2 » يعنى كشف الباطن عند قيام قائم القيامة ، والأعناق في التأويل مثل الظاهر لأنها ظاهرة ولهذا جئنا بهذا الشاهد ولما ذكرناه رأينا بيانه وإن كان ذلك جاء في غير موضعه وسوف يأتي بيان ذلك وما يشبهه في مكانه على التمام إن شاء اللّه تعالى فالمؤذنون في الظاهر القائمون بواجب حق الأذان أقوم الناس بظاهر الدين لقيامهم بإعلان الأذان وإظهاره والمؤذنون في الباطن الذين هم دعاة أهل الحق القائمون بواجب حق الدعوة على ما هم عليه من المعرفة بالباطن أقوم الناس بظاهر الدين على ذلك كانوا

--> ( 1 ) للعليل ( في ع ) . ( 2 ) سورة القلم : 42 .